أبواب اللغة العربية

ماجدولين

ماجدولين

ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون

رواية من الأدب الرومانسي للكاتب ألفونس كار عرَّبها الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي

يستطيع المطالع لرواية (ماجدولين) بترجمة المنفلوطي أن يطالع الأدب الغربي والعربي في آن؛ فقد ألقى عليها المنفلوطي من أسلوبه العربي الأصيل وتعبيراته الساحرة الأخاذة ما جعل قارئها يشعر أنه أمام رواية عربية من أدب ابن المقفّع.

تدور أحداث القصة في ألمانيا بين شاب (ستيفن)، والذي ينحدر من عائلة غنية طردته لأنه لم يتزوج الفتاة التي اختارها له والده، وبين فتاة قروية هي (ماجدولين)، والتي أحبّها الشابّ حبّا آسرا.

والمنفلوطي أديب أزهري محافظ، لا يتوانى عن نثر قيمه الأصيلة في جنبات كتاباته وترجماته، لذا فإن ترجمته لتلك الرواية تمثل قيمة كبيرة للأديب العربي عندما يُترجم الأدب للقارئ العربي؛ إذ هو ليس الناقل الأعمى، بل الأديب الأريب الذي يحول الكلمة الغريبة إلى جمال مألوف، ويرسم لوحاته البديعة من حروفه وقيمه، فتسُرّ الناظرين.

استأجر (ستيفن) غرفة في الطابق العلوي في منزل والد (ماجدولين)، وبعد فترة يكتشف والد ماجدولين هذا الحب، فيخبر (ستيفن) بأن عليه أن يغادر الغرفة، وهنا تبدأ معاناة الطرفين، يأخذ كل من (ماجدولين) و(ستيفن) عهدا على الآخر، بأن يكافحا لأجل حبهما وأن يبذلا المستحيل لكي يكونا معا. تمرّ القصة بأحداث كبيرة، وينقل لنا المنفلوطي تلك اللمحات الإنسانية الجميلة في الحب العذريّ. ولسوف أتحفك ببعض لوحات المنفلوطي الرائعة في هذه الرواية:

خطاب والد ماجدولين إلى ستيفن بإخلاء الغرفة:

كتب (مولر) والد ماجدولين خطاباً إلى (ستيفن) ليغادر الغرفة التي استأجرها في بيته لما رأى من قصة ذلك الحب الوليد بين ابنته وهذا الضيف فقال: أكتب إليك كتابي هذا ويدي ترتعد خجلًا، ونفسي تسيل حزنًا؛ لأني ما كنت أقدّر في نفسي أن ستمر بي ساعةٌ من ساعات حياتي أرى نفسي مضطرّا أن أقول لصديقي الذي أجلّه وأعظّمه وأُنزله من نفسي خير منزلةٍ: إني لا أستطيع أن أستقبلك في منزلي بعد اليوم، بل لا أستطيع أن أحتمل بقاءك في المنزل الذي أسكنه وتسكنه ابنتي؛ لأن لي شرفًا أبقي عليه أكثر مما أبقي على صداقة الأصدقاء، على أنني أرجو ألا تزال تَعُدُّنِي صديقك المخلص إليك، كما أني لا أزال أَعُدُّكَ كذلك، وإن فرقت بيننا الأيام.

دخلت الخادمة على ستيفن في غرفته وقد جلس إلى مصباح ضعيف يقرأ في كتاب، فأعطته كتاب سيدها ورجعت أدراجها، وكان أول كتاب جاءه من مولر، فمر بخاطره – وهو يفض غلافه – كل شأن إلا الشأن الذي كتب فيه، فما أمرّ نظره عليه حتى فهم كل شيء.

فلو أن رامياً سدد إلى قلبه سهماً حديدا فَنفَذ ما بلغ منه ما بلغ هذا الكتاب، ولو أن نازلة من نوازل القدر هوت عليه فاختطفت نفسه من بني جنبيه لكان له مصابها رأيٌ غير رأيه في هذا المصاب، فقد سكن على أثر ذلك سكوناً لا تطرف فيه عين، ولا ينبض فيه  عرق، ولا يخفق قلب، ولا يتحرك خاطر، حتى ليكاد يعتقد الناظر إليه في تلك الساعة أن هناك منزلةً وسطى بني الحياة والموت تنبعث فيها الحواس في سبلها، ولكنها لا تعود إلى الدماغ بشيءٍ مما تحس به.

واستمر على ذلك ساعة، ثم انتفض انتفاض الطائر المذبوح، ودار بعينيه يمنة ويسرة كأنما يفتش عن شيءٍ أضاعه، فوقع نظره على الكتاب وهو ملقى بجانبه، فقرأه مرة أخرى، ثم ضرب جبهته بيده وأنشأ يقول بصوت خافت: لا أمل لي بعد اليوم، ها أنا ذا، وها هو ذا الكتاب بين يدي، ما أنا بحالم، ولا الكتاب بكاذبٍ، نعم إن (مولر) طردني من بيته، وقتل نفسي قتلًا، وفجعني في جميع آمالي، وحال بيني وبين ماجدولين؛ أي إنه فرق بين روحي وجسدي، إنه فعل ذلك وهو لا يدري ماذا يفعل، إنه اجترم هذه الجرائم كلها ساكنًا هادئًا كأنما هو يعبث بفأسه في أرضه، أو يحول جدوله من طريقٍ إلى طريقٍ، لقد قسا عليَّ قسوةً لم يقسها أحد من قبله على أحد، إنه علم أني فقير لا أملك شيئًا، ورأى أن الفقر جريمةٌ لا عقاب لها إلا القتل، فقتلني.

ثم كأنما جُنّ جنونُه فثار من مكانه ثورة الأسد الهائج، وتمثل له كأن (مولر) ماثلٌ بين يديه، فمشى إليه مهددًا، وصار يهذي ويقول: مهلًا، رويدًا أيها الشيخ الأبله، أظننت أني بين يديك شاةٌ خرقاء أو دجاجةٌ بلهاء تقدم نفسها لسكين الذابح حينما يريد؟ لا لا! أنا إنسان عاقلٌ، ورجلٌ شجاع، لا بد أن يكون لي أمل أحيا به، وسعادةٌ أنعم بها، ولا بد أن أقاتل عن أملي وسعادتي حتى أبلغهما أو أُقتل دونهما.

كذبت أيها الرجل، إنك أضعف من أن تمد يدك إلى هذا الرباط المقدس فتقطعه، إنك

أعجز من أن تنتزع شعرةً من شعر رأسك الأبيض، فأحرى أن تعجز عن أن تنتزع روحًا

من جسدها.

إن الذي بيني وبين ماجدولين شيء لا تصل إليه يدك، ولا يمتد إليه سلطانك، ولا يتعلق به أمرك ونهيك، وعطاؤك ومنعك. إنك تستطيع أن تطردني من بيتك؛ لأنك تملكه وأن تحبس ابنتك في غرفتها لأنك أبوها، ولكنك لا تستطيع أن تمنع قلبينا أن يتحابا، ونفسينا أن تتصلا.

إن الذي خلق الإنسان وأسدى إليه نعمة الحياة والرزق لم يسترقّه بهذه النعم، ولم يملك عليه قلبه ثمنًا لها، بل تركه حرّا يحب من يشاء، ويبغض من يشاء، وأنت تريد أيها الشيخ الضعيف المسكين أن يكون لك على قلوب الناس سلطانٌ فوق سلطان لله، وإرادةٌ فوق إرادته.

أي شأن لك عندنا؟ وأي صلة لك بنا؟ لقد ذهب عصرك وذهبتَ بذهابه، وأصبحنا لا نعد وجودك وجودًا، ولا حياتك حياةً، فإن نظرنا إليك فكما ننظر في ساعةٍ من ساعات فراغنا إلى صفحة من صفحات التاريخ الغابر.

إن عقلك الذي بلي ورَثَّ وانتشر فوقه طبقة سوداء من القدم، لا يصلح أن يكون مرآة صادقة نرى فيها وجوهنا، ونتحاكم إليها في سعادتنا وشقائنا.

إنك شَرِهٌ طماع، رأيت أن ماء حياتك قد نضب، وأن أغربة الفناء السود تحلق فوق رأسك المشتعل شيبًا، فعز عليك أن تموت، فجئت إلينا تحاول أن تقاسمنا حياتنا الجديدة الغضة، فكان مَثلُك كمثل ذلك الملك الظالم الذي كان يمتص دماء الأطفال ظنّا منه أن ما ينقص من حياتهم يزيد في حياته.

إنني لم أكن أريد بك أيها الشيخ المأفون ولا بابنتك شرٍّا ولا ضيرًا، بل كنت أعد لها عيشًا هنيئًا رغدًا في مستقبل حياتها؛ فأنا خيرٌ لها منك؛ لأنك ما أردت بها فيما صنعت اليوم إلا عذابًا دائمًا وشقاءً طويلًا.

وأعجب من ذلك كله أنك تذكر في كتابك الصداقة والإخاء والإخلاص، كأنك تظن أن البَلَه قد بلغ مني مبلغه منك، وأني أجهل أنك شيخٌ مُدَاجٍ مصانعٌ، تكتب الحكم بالإعدام وكأنك تكتب بطاقة دعوةٍ إلى وليمة، وتقدم قطعة الحلوى وقد دسست في باطنها ناقع السم، وترفع قبعتك احترامًا لمن يقطر خنجرك من قلبه دمًا.

وفي آخر الرواية تطلب ماجدولين العفو من ستيفن، يصور المنفلوطي ذلك فتقول ماجدولين: لِمَ لَمْ تعفُ عني يا ستيفن وقد عاقبني الدهر بذنبك عقابًا أليمًا، وأخذَ لَكَ مني فوق ما تستطيع أن تأخذ لنفسك بنفسك؟ فسلبني الثروة التي فتنتني عنك، والزوج الذي مَالَأتُه على الغدر بك، والهناء الذي زعمت أني أجده في جوارٍ غير جوارك، وأحال تلك الشرارة من الحب التي كانت تلمع في قلبي فتضيء ظلمته إلى نارٍ آكلةٍ تحرقه وتضطرم في أنحائه، وتتغلغل في أعماقه وأطوائه، ولم يترك فيَّ موضعًا واحدًا يسع عقوبتك وانتقامك.

أتدري يا ستيفن من هي تلك المرأة التي جلست إليها بالأمس تُقرِّعها وتُؤنبها، وتعدُّ عليها ذنوبها وآثامها، وتتلذذ بمنظر ذلها وضراعتها؟

إنها لم تكن إلا شبحًا من الأشباح الضئيلة المتهافتة، قد ذهب الدهر بجميع قواها، وضعضع جميع حواسها ومشاعرها، ولم يترك لها من آثار الحياة إلا عينًا تنظر ولا ترى، وأذنًا تسمع ولا تعي، ونفسًا ذاهلة عن كل شيء حتى عن نفسها، وروحها تتسرب من بين جنبيها شيئًا فشيئًا ذاهبة في سبيلها.

تلك هي المرأة التي قسوتَ عليها، ولم ترحم بؤسَها وضعفَها فمددتَ إليها يدك القوية القادرة وطعنتها وهي جريحة مُثخنة تلك الطعنة النَّجْلاء، التي نَفَذَتْ إلى قلبها، وقضت عليها القضاء الأخير.

قد غفرت لك كل شيء يا ستيفن لأني أحبك، ولأني أعلم أنك ما قسوتَ عليَّ هذه القسوة كلها إلا لأنك تحبني، فامنحني عفوك ومغفرتك وأنزلني من نفسك المنزلة التي كنت أنزلها من قبل، والتي أبذل اليوم حياتي في سبيلها، فإن كنت لا بد آخذًا الموتى بذنوبهم فلا تأخذ بذنبي تلك الطفلة اليتيمة المسكينة التي لا سند لها ولا عَضُدَ، فهي وإن كانت ابنة المرأة التي خانتك، فهي ابنة المرأة التي أحبتك، وإني أعيذها بكرمك وفضلك أن تذوق طعم الشقاء على عهدك، أو أن تَحُلَّ بها كارثةٌ من كوارث الدهر بين سمعك وبصرك.

أطعمها وتصدق عليها، فلطالما أحسنتَ إلى أبويها من قبلها، واجعل لها من صدرك الرحيم ملجأ تجد فيه حنان الأم ورعاية الأب، ولا تَكِلْهَا إلى نفسها تصارع أهوال الحياة وآلامها فتصرعها، وتَوَلَّ بنفسك أمرها في الساعة التي تجتاز فيها تلك العقبة الكبرى من عقبات الحياة حتى لا تسقط سقطةً تشقى بها أبد الدهر، واذكر لها دائمًا أن أمها كانت تحبها حبٍّا جمٍّا، وأنها ما آثرت الموت على الحياة إلا لأنها عجزت عن أن تعيش بجانبها، ولأنها كانت شقية مُرَزَّأَةً فأشفقتْ عليها أن يطيش إليها سهمٌ من سهام شقائها.

الوداع يا استيفن، الوداع يا أحب الناس إليَّ، إنني أفُارق هذه الحياة وأنت آخر من أفكر فيه، وكل ما آسف عليه، فاذكرني ولا تنسني، وتعهد بالزيارة قبري من حين إلى حين، إن كان مقدّرًا لي أن يكون لي قبرٌ على ظهر الأرض، واحتفظ بالوديعة التي أودعتك إياها، فهي تذكاري الدائم المقيم عندك، وليهوّن عليك فقدي أن روحي قد امتزجت بروحك امتزاجًا لا يغيره فناء ولا بِلى، فلئن فرّقت بيننا الأقدار في هذه الدار فسنلتقي في الدار الأخرى لقاءً لا يُنَغِّصُه علينا موتٌ ولا فراق.

لله درّ المنفلوطي، ألا سلم يراعه وقلبه.

دونكم تلك الرواية يا قرّاء (الأعاريب)، تلك الرواية ذات الماء الرائق فاقرؤوها، عسى أن ترتوي منها جروح الحب في نفوسكم. ما أعنيه حبّا هو حبّ اللغة العربية لا غير، فلا تذهب عقولكم المذاهب!!!